مقالات
طريقة القرآن الكريم في الهداية
الجمعة 01 صفر 1437 هـ , 13 نوفمبر 2015
كانت طريقة القرآن الكريم في معالجة العادات السيئة الحِكمةُ والسَّداد؛ حيث لم يَعمد إلى العادات المألوفة فيَنتزِعْها من النفوس انتزاعاً..
كانت طريقة القرآن الكريم في معالجة العادات السيئة الحِكمةُ والسَّداد؛ حيث لم يَعمد إلى العادات المألوفة فيَنتزِعْها من النفوس انتزاعًا، ويقتَلِعْها منها دَفعة وطفرة؛ فذلك صعبٌ وعسير، وإنما كان يعالجها بلُطف ويترفَّق بها، ويتدرج معها في التشريع حتى تَستبينَ السوء فيما كانت تألَف من العادات، فتَنفر منها وتُعرض عنها، وتَنساها كأنْ لم يكن لها عهدٌ بها ولا إلفٌ من قديم. وها هي ذي الآياتُ التي نزلَت في الخمر تُرينا كيف تدرَّج القرآن الكريم في تحريمها، وكيف ترفَّق بالنفوس عند إرادة انتزاعها منها؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم بُعث وللعرب تعلُّق كبير بالخمر، وإلفٌ عظيم لتعاطيها، حتى امتزجَت بها دماؤهم، وتعلَّقَت بها نفوسهم، وهامت بها أرواحُهم، وشبَّبوا بها في أشعارهم، واستحسَنوا كلَّ شيء فيها، وجعَلوها مثلاً في الرقة، فأصفى شيءٍ ما كان مثلَها في الصفاء، وأرقُّ شيء ما كان مثلها في الرقة، وأمتعُ لونٍ ما كان مثلها في اللون والمنظر، واتخذوها عنوانًا لسرورهم، وجعلوا شُربها مَفخرة من مَفاخرهم. فلو فوجئوا بالتَّحريم مع وُلوعهم بها واعتقادِهم منفعتَها، لكان مِن المتوقَّع أن يُخالفوا أو يستثقلوا التكليف، ولكان تحريمها صارفًا لكثير من المدمنين لها عن الإسلام، والنظر الصحيح المؤدِّي إلى الاهتداء به؛ لأنهم حينئذٍ يَنظرون إليه بعين السخط؛ إذ هو يُعارضهم في مُشتهَياتهم وعاداتهم ومألوفات نُفوسهم، فيرونه بغير صورته الجميلة. فكان مِن لُطف الله وبالغِ حكمته أن تدرَّج القرآن بهم في التحريم، فأنزل أولاً قوله: &O4831; يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا &O4830; [البقرة: 219]، فأفاد أن في تَناول الخمر ضررًا كبيرًا ومنافعَ تِجارية أو اجتماعية، وأن ضررها أكبرُ من نفعها، وذلك يدل على التحريم دلالة ظنِّية، فيها مجالٌ للاجتهاد والنظر؛ ليَتركها من لم تتمكَّن فتنتُها من نفسه، ويقلِّل منها مَن غلب عليه حبُّها خشيةَ الضرر. ثم أنزل قوله: &O4831; يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ &O4830; [النساء: 43]، فأفاد تحريمها في الأوقات القريبة من وقت الصلاة؛ إذ النهي عن قرب الصلاة في حال السكر مؤدٍّ إلى تحريم السكر في الوقت القريب من الصلاة، فلم يبقَ للمُصرِّ على شربها إلا الاغتباق بعد صلاة العشاء، وضرره قليل، وكذا الصَّبوح من بعد صلاة الفجر لمن لا عمَل له، ولا يَخشى أن يمتدَّ سُكره إلى وقت الظهر، وقليلٌ ما هم. ثم تركهم الله على هذه الحال زمنًا قويَ فيه الدين ورسَخ اليقين. ومرنت النفوس على تركها والزهد فيها، وكثرَت الوقائع التي ظهر لهم بها إثمُ الخمر وضررُها، حتى كان الكثير يتمنَّى على الله بتَّ تحريمها والتصريحَ بالمنع من شربها؛ منهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ كان يقول: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فأنزل الله قوله: &O4831; يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ &O4830; [المائدة: 90، 91]، وفي الحثِّ على الانتهاء بصيغة الاستفهام مع ما تقدم من أصناف الصَّوارف - إيذانٌ بأن الأمر في الزجر عنها والتحذير منها وكشف ما فيها من المفاسد والشرور، قد بلغ الغاية، وأن الأعذار قد انقطعَت بالكلية، فقال عُمر وقد تُلي هاتان الآيتان: انتهينا يا رب.


لمتابعة قراءة المقال كاملاً تفضل بتحميله من المرفقات.
مصدر المقال:  http://goo.gl/iJzJw7  

عدد الزيارات :  824
الكاتب :دسوقي إبراهيم أباظة
تقييم  
عدد التعليقات (0)